فخر الدين الرازي

107

تفسير الرازي

ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام ، وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصارية . المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله تعالى : * ( إلا أن يخافا ) * هو استثناء متصل أو منقطع ، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهية ، وهي أن أكثر المجتهدين قالوا : يجوز الخلع في غير حالة الخوف والغضب ، وقال الأزهري والنخعي وداود : لا يباح الخلع إلا عند الغضب ، والخوف من أن لا يقيما حدود الله ، فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد وحجتهم أن هذه الآية صريحة في أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة عند طلاقها شيئاً ، ثم استثنى الله حالة مخصوصة فقال : * ( ألا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) * فكانت الآية صريحة في أنه لا يجوز الأخذ في غير حالة الخوف ، وأما جمهور المجتهدين فقالوا : الخلع جائز في حالة الخوف وفي غير حالة الخوف والدليل عليه قوله تعالى : * ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ) * ( النساء : 4 ) فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذل كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى ، وأما كلمة * ( إلا ) * فهي محمولة على الاستثناء المنقطع كما في قوله تعالى : * ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ) * ( النساء : 92 ) أي لكن إن كان خطأ * ( فدية مسلمة إلى أهله ) * ( النساء : 92 ) . المسألة الثالثة : الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف ، وهو الإشفاق مما يكره وقوعه ، ويمكن حمله على الظن ، وذلك لأن الخوف حالة نفسانية مخصوصة ، وسبب حصولها ظن أنه سيحدث مكروه في المستقبل وإطلاق اسم المعلول على العلة مجاز مشهور فلا جرم أطلق على هذا الظن اسم الخوف ، وهذا مجاز مشهور فقد يقول الرجل لغيره : قد خرج غلامك بغير إذنك ، فتقول : قد خفت ذلك على معنى ظننته وتوهمته ، وأنشد الفراء : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في الفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها ثم الذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى فيما بعد هذه الآية : * ( فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ) * ( البقرة : 230 ) . المسألة الرابعة : اعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشرط هو حصول الخوف للرجل وللمرأة ، ولا بد ههنا من مزيد بحث ، فنقول : الأقسام الممكنة في هذا الباب أربعة لأنه إما أن يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل المرأة فقط ، أو من قبل الزوج فقط ، أو لا يحصل الخوف من قبل واحد منهما ، أو يكون الخوف حاصلاً من قبلهما معاً .